القرطبي
401
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ومن أظلم ) ابتداء وخبر أي لا أحد أظلم ( ممن افترى ) أي اختلق ( على الله كذبا أو كذب بآياته ) يريد القرآن والمعجزات . ( إنه لا يفلح الظالمون ) قيل : معناه في الدنيا ، ثم استأنف فقال : " ويوم نحشرهم جميعا " على معنى واذكر " يوم نحشرهم " . وقيل : معناه أنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم ، فلا يوقف على هذا التقدير على قوله : ( الظالمون ) لأنه متصل . وقيل : هو متعلق بما بعده وهو ( انظر ) أي انظر كيف كذبوا يوم نحشرهم ، أي كيف يكذبون يوم نحشرهم ؟ . ( ثم نقول الذين أشركوا أين شركاؤكم ) سؤال إفضاح لا إفصاح ( 1 ) . ( الذين كنتم تزعمون ) أي في أنهم شفعاء لكم عند الله بزعمكم ، وأنها تقربكم منه زلفى ، وهذا توبيخ لهم . قال ابن عباس : كل زعم في القرآن فهو كذب . قوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( 23 ) قوله تعالى : ( ثم لم تكن فتنتهم ) الفتنة الاختبار أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ، ورأوا الحقائق ، وارتفعت الدواعي . ( 2 ) ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين . قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الاخلاص ذنوبهم ، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك ، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين ، فقال الله تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم ، فيختم على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا ، فذلك قوله : " يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا " ( 3 ) [ النساء : 42 ] . وقال أبو إسحاق الزجاج : تأويل هذه الآية لطيف جدا ، أخبر الله عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك ، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع
--> ( 1 ) في ك : لا ايضاح . ( 2 ) في ه وب وج وع : الدعاوي . ( 3 ) راجع ج 5 ص 198 .